أحمد بن محمود السيواسي
212
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 224 ] وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ ( 224 ) قوله ( وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ ) [ 224 ] بالتخفيف والتشديد « 1 » ، نزل فيمن كان يقول الشعر ويقول نحن نقول كما يقول محمد « 2 » ، واتبعهم غواة على ذلك والغاوون هم المشركون أو الشياطين أو السفهاء والشطار ، وهم شعراء قريش مثل عبد اللّه بن الزبعري وأبو عزة الجمحي ومسافع بن عبد مناف ، كانوا يهجعون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ويجتمع الأعراب من قومهم عليهم لاستماع أشعارهم . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 225 إلى 226 ] أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ ( 225 ) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ ( 226 ) ( أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ ) من أودية الكلام وفنونه ( يَهِيمُونَ ) [ 225 ] من هام الرجل أو البعير إذا ذهب على وجهه لا يدري أين يذهب ، أي يمضون عن الحد مدحوا أو هجوا ، لأنهم لقلة مبالاتهم بالغلو في المنطق يفضلون أجبن الناس وأبخلهم ويهجون أشرف الناس وأجودهم . ( وَأَنَّهُمْ ) أي أن الشعراء « 3 » ( يَقُولُونَ ) في أشعارهم فعلنا وصنعنا ( ما لا يَفْعَلُونَ ) [ 226 ] ونفعل ونصنع تخرصا وكذبا . [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 227 ] إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ( 227 ) قوله ( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ) نزل حين نزل « وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ » لاستثناء المؤمنين منهم كحسان وابن رواحة وكان غالب شعرهم توحيدا « 4 » ، وذكر اللّه فقالوا يا رسول اللّه قد نزلت هذه الآية واللّه يعلم أنا شعراء ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه وإن الذي ترمونهم به نضح النبل » « 5 » ، وكان يقول لحسان : « قل وروح القدس معك » « 6 » ، أي ناصرك إلا الذين صدقوا اللّه ورسوله ( وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) بالإخلاص ( وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً ) في جميع الأحوال أو في أشعارهم من توحيده وثنائه وتنزيهه وحكمته وموعظته ومدح أنبيائه وأوليائه ( وَانْتَصَرُوا ) أي هجوا الكفار اقتصاصا ( مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا ) أي هجوا ، لأن الكفار بدؤوهم بالهجا ، ولا شك أن الشعر كلام فحسنه كحسنه وقبيحة كقبيحه ، ولا بأس الشعر بما هو الحق مدحا كان أو ذما ، ثم أوعد شعراء الكفار وهددهم بما هم أهيب وأهول فقال ( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) [ 227 ] أي أي مرجع يرجعون مع الخسران إلى النار ، فان فيه وعيدا بليغا للمتأملين بقوله « سَيَعْلَمُ » وبقوله « ظُلِمُوا » وإطلاقه ، وبقوله « أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ » وبابهامه ، وكان السلف الصالح يتواعظون بها ويخافون شدتها ، قوله « أَيَّ مُنْقَلَبٍ » صفة مصدر محذوف منصوب بفعل بعده لا ب « يعلم » لأنه استفهام ، تقديره : ينقلبون انقلابا أي منقلب ، قالوا : إن من عمل سيئة فهو من الذين ظلموا ، وتفسير الظلم بالكفر ليس بتحقيق ، لأنه يفضي إلى أمن الظالم وزيادة ظلمه .
--> ( 1 ) « يتبعهم » : قرأ نافع باسكان التاء وفتح الباء ، وغيره بتشديد التاء مفتوحة وكسر الباء . البدور الزاهرة ، 233 . ( 2 ) اختصره المؤلف عن البغوي ، 4 / 282 . ( 3 ) أي أن الشعراء ، و : أي الشعراء ، ح ي . ( 4 ) لعله اختصره من البغوي ، 4 / 283 . ( 5 ) أخرجه أحمد بن حنبل ، 6 / 387 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 4 / 283 . ( 6 ) رواه أحمد بن حنبل ، 4 / 298 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 4 / 283 ؛ والكشاف ، 4 / 188 .